ابن كثير

137

السيرة النبوية

وأما أهل السنة فمنهم من يغلو أيضا ويثبت لكل واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف ، ولكن تحملهم قوة التسنن على تفضيل عائشة لكونها ابنة الصديق ، ولكونها أعلم من خديجة ، فإنه لم يكن في الأمم مثل عائشة في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها ، ولم يكن الرسول يحب أحدا من نسائه كمحبته إياها ، ونزلت براءتها من فوق سبع سماوات ، وروت بعده عنه عليه السلام علما جما كثيرا طيبا مباركا فيه ، حتى قد ذكر كثير من الناس الحديث المشهور " خذوا شطر دينكم عن الحميراء " . * * * الحق أن كلا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره . والأحسن التوقف في ذلك إلى الله عز وجل . ومن ظهر له دليل يقطع به ، أو يغلب على ظنه في هذا الباب ، فذاك الذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم . ومن حصل له توقف في هذه المسألة أو في غيرها ، فالطريق الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول : الله أعلم . وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم الترمذي والنسائي ، من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير نسائها مريم بنت عمران ، وخير نسائها خديجة بنت خويلد " أي خير زمانهما . وروى شعبة ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه قرة بن إياس ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث : مريم بنت عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " .